ابن البيطار

28

تفسير كتاب دياسقوريدوس

سيرة ابن البيطار العلميّة وعلى مؤلّفاته ثم على شهادة ابن أبي أصيبعة فيه يدحضها ويبيّن بطلانها . فقد قام ابن البيطار بالرحلة العلميّة من أجل تعميق معرفته المباشرة بالنّبات . ولا نعرف أحدا من سابقيه ومعاصريه ولاحقيه من المسلمين قد خصّ النبات بما خصّه هو به من بحث عنه في مظّانه وتشعيب لمسالك الرحلة - شرقا وغربا - في سبيله للوقوف على أعيانه . وقد اكتسب من ذلك معرفة مباشرة بالنّبات قلّ من توفّر له مثلها في القرون الوسطى . ويبرز أثر تلك المعرفة المعمّقة واضحا في مؤلّفات ابن البيطار ، وهو ما سنبيّنه عند الحديث عن آثار المؤلّف بعد حين . ثمّ إنّه قد صحب جماعة من التلاميذ وعشّب معهم ، وقد بقيت لنا شهادة أحدهم فيه هي شهادة ابن أبي أصيبعة ، الذي قال عنه : « أوحد زمانه وعلّامة وقته في معرفة النبات وتحقيقه واختياره ومواضع نباته ونعت أسمائه على اختلافها وتنوّعها . سافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم ولقي جماعة يعانون هذا الفنّ وأخذ عنهم معرفة نبات كثير وعاينه في مواضعه ، واجتمع أيضا في المغرب وغيره بكثير من الفضلاء في علم النبات وعاين منابته وتحقّق ماهيّته » « 38 » . وأمّا النّيل من سمعته فيبرزه ما نسجه البعض من قصّة حول وفاته . فقد توفّي ابن البيطار في دمشق فجأة في شهر شعبان من سنة 646 ه ( بين 19 نوفمبر و 17 ديسمبر من سنة 1248 م ) ، إلّا أنّ ابن فضل اللّه العمري قد انفرد بذكر قصّة حول وفاة ابن البيطار قد رواها له طبيب لم يعاصر ابن البيطار ، وهي قصة مليئة بالإغراب القصصي . يقول ابن فضل اللّه العمري : « وحكي أنّه سمّ نفسه فمات . حدّثني الحكيم أمين الدّين سليمان بن داود المتطبّب قال : كان الملك الصالح قد أعطى ابن البيطار ألف دينار لنفقتها على أثمان أدوية دعت إليها حاجته واجتناء حشائش شاميّة وروميّة . فلمّا أتى بيت المقدس رأى امرأة نصرانية اسمها مريم فأحبّها وأنفق عليها ذلك المال حتّى أنفده ، وأهمل حاجة الملك الصالح . فلمّا قدم الملك الصالح إمّا قبال القدس أو دمشق ولم يكن لابن البيطار دأب ليلة أراد منه الملك الصالح أن

--> ( 38 ) ابن أبي اصيبعة : عيون الانباء ، 2 / 133 .